عمّان، الأردن · منذ 2015
الأبحاث والدراسات القانونية

الشرط الجزائي بين افتراض الضرر وإثباته: قراءة تحليلية في اجتهاد محكمة التمييز الأردنية وتقلّباته (2000 – 2026)

بحث قانوني · العقود والتعويض · نُشر في 22 تشرين الأول 2026اطلب موعداً ←

إعداد: المحامي محمد الحجوج · حجوج للمحاماة والتحكيم – عمّان · تشرين الأول 2026

تحميل البحث كاملاً (PDF)

الملخّص التنفيذي

يُدرج الشرط الجزائي في أغلب العقود التي يُعدّها المكتب أو يتقاضى بشأنها: عقود المقاولات والتوريد والإيجار والوكالات التجارية، وعقود العمل وتعهدات عدم المنافسة، والتسويات المالية. ويثور في كل نزاع تقريباً سؤال واحد: هل يكفي الدائنَ أن يُثبت الإخلال ليُحكم له بالمبلغ المتفق عليه، أم عليه أن يُثبت أيضاً أن ضرراً قد لحقه؟

لم تستقر محكمة التمييز على جواب واحد. فقد عدلت الهيئة العامة عن اجتهادها في هذه المسألة مرتين على الأقل خلال خمس سنوات، ثم استمرت هيئات عادية بعد ذلك تقضي في الاتجاهين، وآخر ما رصدناه حكمان صدرا في عام 2026 بنتيجتين متعاكستين (3680/2026 في 9/7/2026، و4957/2026 في 7/10/2026).

أبرز النتائج

  1. الاتجاه الذي تبنّته الهيئة العامة لمحكمة التمييز في القرار 114/2021 (14/12/2021)، وأكدته في القرار 5875/2023 (22/4/2024)، هو أن الضرر في الشرط الجزائي مفترض افتراضاً قابلاً لإثبات العكس، وأن عبء نفيه أو إثبات المبالغة فيه يقع على المدين.
  2. ما يزال للاتجاه المقابل (الضرر غير مفترض) سند من قرارين للهيئة العامة في نطاق عقد العمل محدد المدة (4310/2017 و39/2019) لم يُعدَل عنهما صراحة، وهذا في تقديرنا هو المفتاح الأهم لفهم استمرار الانقسام.
  3. يمكن التوفيق بين أغلب الأحكام المتعارضة بالتمييز بين عقد العمل، الذي يحكمه نص خاص هو المادة 26/ب من قانون العمل، وبين العقود المدنية والتجارية التي تحكمها المادة 364 من القانون المدني. غير أن أحكاماً حديثة في عقود مقاولة وعقود فنية (3516/2024 و3680/2026) خرجت عن اجتهاد الهيئة العامة دون أن تُعرض عليها كما توجب المادة 9 من قانون تشكيل المحاكم النظامية.
  4. غرامة التأخير لا تُستحق، بحسب الهيئة العامة، إلا عن التنفيذ المتأخر، لا عن عدم التنفيذ أو التنفيذ الجزئي، وفي هذه الحالة يُرجع إلى التعويض القضائي وفق المادة 363 مع إثبات الضرر (5875/2023 هيئة عامة).
  5. للصياغة أثر حاسم: الفصل بين شرط التأخير وشرط عدم التنفيذ، والنص على الإعفاء من الإعذار، وجعل التزامات العامل بعد انتهاء العمل جزءاً من عقد ثنائي لا تعهداً منفرداً.

المقدمة

أولاً: أهمية الموضوع

الشرط الجزائي أداة للضمان والتنبؤ معاً؛ فالمتعاقدان يحددان سلفاً قيمة ما يستحقه أحدهما إن أخلّ الآخر، فيستغنيان عن نزاع طويل حول وجود الضرر ومقداره، ويُحفَّز المدين على التنفيذ. وتفقد هذه الأداة كثيراً من قيمتها إذا كُلّف الدائن، بعد الإخلال، بإثبات الضرر بالطرق العادية ثم بتقديره بالخبرة، إذ يصبح الشرط مجرد سقف أعلى للتعويض لا أكثر. وفي المقابل، فإن افتراض الضرر دون قيد قد يحوّل الشرط إلى عقوبة خاصة يفرضها الطرف الأقوى في العقد.

وتبرز أهمية المسألة عملياً في أن جواب المحكمة عنها يحدد مصير الدعوى غالباً: من يحمل عبء الإثبات، وهل تلزم الخبرة، ومتى يُطلب تعديل المبلغ، وما الذي يجب أن يتضمنه لائحة الدعوى واللائحة الجوابية.

ثانياً: إشكالية البحث

يتمحور البحث حول سؤال رئيسي: هل يُعدّ الضرر مفترضاً بمجرد ثبوت الإخلال بالالتزام المقترن بشرط جزائي في القانون الأردني، فيقع على المدين عبء نفيه، أم أن الضرر ركن يجب على الدائن إثباته شأنه شأن التعويض القضائي؟ ويتفرع عنه: لماذا استمر الخلاف بعد قرارين للهيئة العامة؟ وما أثر نوع العقد (عقد عمل أو عقد مدني) ونوع الشرط (شرط تأخير أو شرط عدم تنفيذ) على الجواب؟

ثالثاً: منهجية البحث ومصادره

اعتمد البحث المنهج التحليلي الاستقرائي: استقراء أحكام محكمة التمييز (بصفتها الحقوقية) المتعلقة بالمسألة من عام 2000 حتى 7/10/2026، وتتبع تسلسلها التاريخي وتكوين الهيئات التي أصدرتها، ثم تحليل حججها في ضوء نصوص القانون المدني وقانون العمل وقانون تشكيل المحاكم النظامية. وقد رُجع فيه إلى ثلاثة مصادر: المكتبة القانونية للمكتب (أحكام محكمة التمييز ومبادئ المكتب الفني للمجلس القضائي)، وقاعدة بيانات «قرارك» للأحكام والتشريعات المجمّعة، والنصوص المنشورة عن ديوان التشريع والرأي. والأحكام التي لم نطّلع على نصها الكامل وإنما على الإشارة إليها في أحكام لاحقة، نبيّن ذلك عند ذكرها.

رابعاً: خطة البحث

  • المبحث الأول: الإطار التشريعي للشرط الجزائي في القانون الأردني.
  • المبحث الثاني: مسار اجتهاد محكمة التمييز (2000 – 2026).
  • المبحث الثالث: تحليل الخلاف وتقييمه، ورأي الباحث.
  • المبحث الرابع: الآثار العملية: في التقاضي وفي صياغة العقود.
  • الخاتمة: النتائج والتوصيات، ويليها ملحق بجدول الأحكام وقائمة المراجع.

المبحث الأول: الإطار التشريعي

المطلب الأول: النصوص الحاكمة

نظّم القانون المدني رقم (43) لسنة 1976 الشرط الجزائي تحت عنوان التنفيذ بطريق التعويض، في نصين متجاورين:

المادة (363): «إذا لم يكن الضمان مقدراً في القانون أو في العقد فالمحكمة تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلاً حين وقوعه».
المادة (364): «1- يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدماً قيمة الضمان بالنص عليها في العقد أو في اتفاق لاحق مع مراعاة أحكام القانون. 2- ويجوز للمحكمة في جميع الأحوال بناءً على طلب أحد الطرفين أن تعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساوياً للضرر ويقع باطلاً كل اتفاق يخالف ذلك».

ويتصل بهما شرط الإعذار؛ إذ تنص المادة (361) على أنه «لا يستحق الضمان إلا بعد إعذار المدين ما لم ينص على غير ذلك في القانون أو في العقد»، وتعدد المادة (362) حالات لا ضرورة فيها للإعذار، منها أن يصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجدٍ بفعل المدين، أو أن يصرّح المدين كتابة بأنه لا يريد القيام بالتزامه.

وفي عقد العمل محدد المدة نص خاص هو المادة (26/ب) من قانون العمل رقم (8) لسنة 1996، وقد تحققنا من بقاء نصها على حاله في النص المجمّع لقانون العمل وتعديلاته:

«إذا كان إنهاء العقد محدد المدة صادراً عن العامل في غير الحالات المنصوص عليها في المادة (29) من هذا القانون جاز لصاحب العمل مطالبته بما ينشأ عن هذا الإنهاء من عطل وضرر يعود تقديره إلى المحكمة المختصة على أن لا يتجاوز مبلغ ما يحكم به على العامل أجر نصف شهر عن كل شهر من المدة المتبقية من العقد».

ومن النصوص ذات الصلة أيضاً المادة (2) من القانون المدني التي تحيل عند غياب النص إلى الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص القانون، والمادة (251) التي تُسري على التصرف الانفرادي أحكام العقود «إلا ما تعلق منها بضرورة وجود إرادتين متطابقتين لنشوء العقد».

المطلب الثاني: ما سكت عنه النص الأردني

النص الأردني لا يقول صراحة إن الضرر مفترض، ولا يقول إن على الدائن إثباته. وتتضح دلالة هذا السكوت بالمقارنة مع القانون المدني المصري الذي نقلت عنه تشريعات عربية كثيرة؛ فالمادة (224) منه تنص على أنه: «1- لا يكون التعويض الاتفاقي مستحقاً إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر. 2- ويجوز للقاضي أن يخفض هذا التعويض إذا أثبت المدين أن التقدير كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة أو أن الالتزام الأصلي قد نُفذ في جزء منه»، وتمنع المادة (225) الدائن من المطالبة بأكثر من التعويض الاتفاقي إلا إذا أثبت غش المدين أو خطأه الجسيم.

فالمشرع المصري حسم المسألة: الضرر مفترض، والمدين هو من يثبت انتفاءه أو المبالغة. أما المشرع الأردني فاختار صياغة مختلفة متأثرة بالفقه الإسلامي الذي لا يُجيز الضمان إلا عن ضرر واقع؛ فأطلق سلطة المحكمة في التعديل «في جميع الأحوال» زيادةً ونقصاناً، و«بناءً على طلب أحد الطرفين»، بهدف أن يكون «التقدير مساوياً للضرر»، وجعل ذلك من النظام العام. ومن هنا انقسم الاجتهاد:

  • فريق يرى أن ربط المادة (364/2) التعويض بالضرر الفعلي، وورودها بعد المادة (363) التي تقدّر الضمان «بما يساوي الضرر الواقع فعلاً»، يعنيان أن الضرر يبقى ركناً يثبته من يدّعيه وفق القواعد العامة.
  • وفريق يرى أن المادة (364/2) جعلت التعديل «بناءً على طلب أحد الطرفين»، فلا يتدخل القاضي من تلقاء نفسه، ومن يطلب التعديل أو ينازع في وجود الضرر هو من يحمل عبء إثبات طلبه؛ وأن الاتفاق المسبق على مقدار الضمان تعبير عن إرادة الطرفين في افتراض وقوع الضرر وحجمه.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة (390) من قانون المعاملات المدنية الإماراتي لسنة 1985 جاءت مطابقة تقريباً للمادة (364) الأردنية، وأن تشريعاً إماراتياً جديداً للمعاملات المدنية صدر عام 2025 أعاد، بحسب ما نُشر من تعليقات عليه، تنظيم المسألة في المادة (340) بتحديد أسباب التخفيض والزيادة على نحو أكثر تفصيلاً. ونذكر ذلك للمقارنة فقط، دون أن نكون قد اطلعنا على النص الرسمي للقانون الإماراتي الجديد.

المبحث الثاني: مسار اجتهاد محكمة التمييز (2000 – 2026)

نعرض فيما يلي المراحل التي مرّ بها الاجتهاد، مع بيان تكوين الهيئة التي أصدرت كل حكم، لأن ذلك هو مفتاح فهم قوة كل اتجاه. والقاعدة في المادة (9/أ/1) من قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم (17) لسنة 2001 وتعديلاته أن محكمة التمييز تنعقد في هيئتها العادية من خمسة قضاة على الأقل، وتنعقد «هيئة عامة من رئيس وثمانية قضاة» في حالات منها «إصرار محكمة الاستئناف على قرارها المنقوض» أو إذا «رأت إحدى هيئاتها الرجوع عن مبدأ مقرر في حكم سابق».

المرحلة الأولى: افتراض الضرر هو القاعدة (حتى 2018)

ساد في الاجتهاد القديم أن الشرط الجزائي يجعل الضرر مفترضاً. وتشير الأحكام اللاحقة إلى قرار للهيئة العامة رقم 3326/2000 بهذا المعنى (لم نطّلع على نصه الكامل، وهو مشار إليه في القرار 2576/2015). ومن أحكام هذه المرحلة:

  • تمييز حقوق 1500/2009 (5/8/2009): الشرط الجزائي «يجعل وقوع الضرر مفترضاً»، إلا أن المادة (364/2) تفيد أن المدعي يستحق ما يساوي الضرر الفعلي لا كامل المبلغ إذا نازع المدعى عليه في الاستحقاق أو ادّعى المبالغة. وهذا موقف وسط ستعود إليه المحكمة لاحقاً.
  • تمييز حقوق 2576/2015 هيئة عامة (23/6/2016)، في عقد عمل تخلّف فيه العامل عن الالتحاق: «المستقر في اجتهاد هذه المحكمة أن الشرط الجزائي ... يجعل الضرر مفترضاً ودون حاجة لإثباته».
  • وفي الاتجاه نفسه، وكلها في عقود عمل: 3750/2016 (24/4/2017)، و1583/2018 (7/5/2018)، و2544/2018 (23/5/2018)، و2895/2018 (19/7/2018) الذي أحال إلى القرار 4448/2014، و8476/2018 (5/3/2019). وفي المقابل قضت هيئة خماسية في القرار 4308/2017 (7/6/2018) بأن الضرر غير مفترض في عقد عمل.

ويُلاحظ أن الحكمين 2895/2018 و8476/2018 صدرا بعد قرار الهيئة العامة 4310/2017 الآتي ذكره، ومع ذلك أخذا بافتراض الضرر في عقد عمل. فالتعارض بين الهيئات ليس ظاهرة جديدة.

المرحلة الثانية: العدول في عقد العمل (2018 – 2019)

في القرار 4310/2017، الصادر عن الهيئة العامة برئاسة رئيس محكمة التمييز (5/6/2018)، في دعوى جامعة خاصة على عضو هيئة تدريس لم يلتحق بعمله، عدلت المحكمة «رجوعاً عن أي اجتهاد سابق» وقررت أن الشرط الجزائي في عقد العمل محدد المدة تعويض اتفاقي يتفق مع المادة (26/ب) من قانون العمل، وأن:

«المشرع ... أجاز لصاحب العمل مطالبة العامل ... بما قد ينشأ عن هذا الإنهاء من عطل وضرر يعود تقديره إلى المحكمة المختصة ومقتضى ذلك أن الضرر ليس مفترضاً إذ لا بد من إقامة الدليل عليه وإلا كيف تستطيع المحكمة تقديره»، مع التقيد بالسقف الوارد في المادة (26/ب).

وأكدت الهيئة العامة ذلك في القرار 39/2019 (25/8/2019) في الدعوى ذاتها بعد النقض، حين صدّقت حكم محكمة الاستئناف الذي اتبع النقض ورد المطالبة لعدم إثبات الضرر. ويُفهم من القرار 4105/2022 (26/9/2022) أن ثمة قراراً آخر للهيئة العامة برقم 32/2017 بالمعنى نفسه (لم نطّلع عليه).

والملاحظ أن تعليل هذه القرارات مبني على عبارة «يعود تقديره إلى المحكمة المختصة» في المادة (26/ب) من قانون العمل، أي على نص خاص بعقد العمل، وليس على تفسير عام للمادة (364) من القانون المدني.

المرحلة الثالثة: امتداد عدم الافتراض إلى العقود المدنية (2020 – 2022)

بدأت بعض الهيئات العادية تنقل قاعدة «الضرر غير مفترض» من عقد العمل إلى العقود المدنية والتجارية، مستندة إلى القرارين 4310/2017 و39/2019 دون التمييز بين النطاقين:

  • تمييز حقوق 5966/2019 (5/8/2020): في اتفاقية تسوية بين شريكين التزم فيها أحدهما بفك رهن عن عقار الآخر، مع شرط بدفع 300 دينار عن كل شهر تأخير، نقضت المحكمة الحكم القاضي بقيمة الشرط لأن «الضرر ليس مفترضاً إذ لا بد من إقامة الدليل عليه».
  • تمييز حقوق 3280/2021 (29/7/2021) ثم 6857/2021 (15/2/2022) ثم 5694/2022: ثلاثة قرارات نقض متتالية في دعوى واحدة تتعلق بعقد توريد إطارات، قضت كلها بأن على الدائن إثبات أركان المسؤولية العقدية ومنها الضرر، لأن «الضرر ليس مفترضاً».

المرحلة الرابعة: العدول المضاد – القرار 114/2021 هيئة عامة

عادت دعوى فك الرهن (5966/2019) إلى محكمة الاستئناف فأصرت على حكمها الأول القاضي بإلزام المدين بمبلغ 54,000 دينار عن خمس عشرة سنة تأخير. فنُظر الطعن في الإصرار أمام الهيئة العامة التي أصدرت في 14/12/2021، بالأكثرية، القرار 114/2021، وقررت الرجوع عن قرار النقض 5966/2019 وتصديق الحكم. وأهم ما قررته:

  1. أن الشرط الجزائي «ما هو إلا تقدير اتفاقي للتعويض الذي يتحمله المدين إذا أخل بالتزاماته»، وقد يرد في العقد الأصلي أو في اتفاق لاحق.
  2. أن «المسؤولية لاستحقاق الضمان في العقد تنهض بمجرد الإخلال بالالتزام»، وأن اتفاق الطرفين على حجم الضرر «ما هو إلا تعبير عن إرادتهما لافتراض وقوعه وحجمه، وهو قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس».
  3. أن الضرر في نطاق التعويض الاتفاقي «يكون مفترضاً ولا يقع على عاتق الدائن عبء إثباته، ويحق للمدين إثبات أن الدائن لم يلحقه أي ضرر، ويقع عبء إثباته عليه (أي المدين)» وفق المادة (364/2).
  4. أن طلب المدين إجراء الخبرة لتقدير التعويض أو تخفيضه مخالف للقانون ما دام لم يدّعِ أمام محكمتي الموضوع أن الدائن لم يلحقه ضرر نتيجة تخلفه عن التنفيذ؛ فلا تُثار هذه المسألة لأول مرة أمام محكمة التمييز.
  5. أن التعويض عن الضرر يُحسب اعتباراً من تاريخ الإخلال أو الامتناع عن التنفيذ، لا من تاريخ الإنذار العدلي.
  6. وأكدت ما قررته الهيئة العامة في القرار 2320/2018 (10/5/2018) من جواز الجمع بين التنفيذ العيني والشرط الجزائي إذا كان الشرط مقرراً لمجرد التأخير، استثناءً من قاعدة عدم الجمع.

وخالف القرارَ عضوٌ واحد هو القاضي د. فؤاد الدرادكة، صاحب مؤلَّف «الشرط الجزائي (التعويض الاتفاقي) في القانون المدني الأردني – دراسة مقارنة» الذي استشهدت به المحكمة نفسها في القرارين 5966/2019 و114/2021. ومن حجج المخالفة:

  • أن تحديد الطرفين لمقدار التعويض لا يعني أنهما أعفيا المحكمة من التثبت من وقوع الضرر، فـ«مبدأ وجود تعويض أو عدم وجوده هو أمر لا يدخل ضمن عمل الشرط الجزائي».
  • أن الشرط الجزائي التزام تابع لالتزام أصلي «ومن ثم يجب أن يأخذ خصائصه»، والحكم بالتعويض يفترض توافر شروطه في المسؤولية المدنية عموماً ومنها الضرر، وفق المواد (256 و261 و363).
  • أن القول بغير ذلك يحوّل الشرط الجزائي إلى عقوبة تترتب على مجرد الامتناع عن التنفيذ «دون النظر إلى حصول نتيجة – ضرر – أم لا».
  • أن المشرع الأردني تأثر بالفقه الإسلامي الذي لا يجيز الضمان إلا عن ضرر وقع فعلاً أو مؤكد الوقوع، وأن افتراض الضرر «صناعة فقهية ليس لها سند في نص القانون».
  • أن المادة (364/2) تنسجم مع قيد المادة (363)، ولم يرد فيها ما يشير إلى أن الضرر مفترض، «بل يُفهم منه أنه لا بد من وقوع ضرر حتى يُصار إلى المطالبة بالشرط الجزائي».

ويُلاحظ أن القرار 114/2021 رجع صراحة عن قرار النقض 5966/2019 وحده، ولم يذكر الرجوع عن القرارين 4310/2017 و39/2019 رغم أن الحكم المنقوض قد استند إليهما. وسنرى أثر ذلك في المبحث الثالث.

المرحلة الخامسة: القرار 5875/2023 هيئة عامة – تأكيد مع تمييز جديد

عادت دعوى عقد توريد الإطارات (3280/2021 و6857/2021 و5694/2022) إلى محكمة التمييز للمرة الرابعة، فقررت إحالتها إلى الهيئة العامة «لغايات الرجوع عن قرارات النقض السابقة». وأصدرت الهيئة العامة برئاسة رئيس المحكمة القرار 5875/2023 في 22/4/2024، وانتهت إلى أمرين:

  1. أن مسألة افتراض الضرر «ليست هي الفيصل في هذه الدعوى»، لأن الشرط الجزائي في العقد انعقد على التأخر في التنفيذ (30 ديناراً عن كل يوم تأخير)، بينما طالبت المدعية بفسخ العقد واسترداد ثمن بضاعة لم تُسلَّم أصلاً. وغرامة التأخير، وفق ما استقر عليه اجتهاد المحكمة (ومنه 388/2020 هيئة عامة)، لا يُحكم بها إلا إذا نفّذ المدين التزامه بعد الموعد، أما في حالة عدم التنفيذ أو التنفيذ غير الكامل فيُقدَّر التعويض وفق المادة (363) بما يساوي الضرر الواقع فعلاً بعد إثباته، فردّت المطالبة بغرامة التأخير (1,710 دنانير).
  2. أنه «يستوجب الرجوع عن قرارات النقض السابقة ... ذوات الأرقام 3280/2021 و6857/2021 و5694/2022 لجهة قضائها بأن الضرر غير مفترض في حال تضمن الاتفاق شرطاً جزائياً ويقع على عاتق الدائن إثباته، خلافاً لما استقر عليه اجتهاد محكمة التمييز (114/2021 هيئة عامة)».

فالقرار أكد بوضوح أن الاجتهاد المستقر هو افتراض الضرر، وأضاف قيداً مهماً على نطاق شرط التأخير. لكنه في الوقت نفسه وصف مسألة الافتراض بأنها ليست الفيصل في الدعوى، وهو ما قد يُحتج به للقول إن ما قرره بشأنها جاء تزيداً لا يحمل الحكم. وسنتناول هذه الملاحظة في المبحث الثالث.

المرحلة السادسة: انقسام مستمر (2023 – 2026)

رغم القرارين السابقين، توزعت الأحكام الصادرة عن هيئات عادية بعدهما على النحو التالي:

أ- أحكام أخذت بافتراض الضرر

  • تمييز حقوق 1654/2023 (27/7/2023): نقلت حرفياً تعليل القرار 114/2021 وقررت أن الدائن يستحق قيمة الشرط «إلا إذا أثبت المدين ... أن الدائن لم يلحقه ضرر».
  • تمييز حقوق 2932/2024 (11/7/2024، هيئة خماسية): صدّقت الحكم بشرط جزائي قيمته 50,000 دينار لأن المدعى عليهم لم يُثبتوا عدم لحوق الضرر، وعدّت ذلك «ما ذهب إليه الاجتهاد القضائي الحديث في هذه المسألة»، مستندة إلى 114/2021 هيئة عامة.
  • تمييز حقوق 4957/2026 (7/10/2026): قررت أن «المسؤولية لاستحقاق الضمان في العقد تنهض بمجرد الإخلال ... ولا يقع على الدائن عبء إثبات الضرر في التعويض الاتفاقي»، لكنها نقضت الحكم لأن المدين نازع في وجود الضرر في لائحته الجوابية، فكان على محكمة الاستئناف إجراء خبرة لتستعمل صلاحيتها في التعديل وفق المادة (364/2).

ب- أحكام اشترطت إثبات الضرر

  • في عقود العمل وما يتصل بها: تمييز حقوق 4105/2022 (26/9/2022) في مطالبة صاحب عمل بالشرط الجزائي عن ترك العمل، و3488/2023 (29/8/2023، هيئة ثلاثية) في شرط عدم منافسة في عقد عمل قيمته أجر اثني عشر شهراً، و6076/2024 (28/11/2024) في إقرار موقّع من موظفة بعدم نشر مشاريع صاحب العمل خلال سنتين بعد انتهاء العمل، و4853/2025 (13/10/2025) في ترك العامل عقد العمل محدد المدة.
  • في عقود مدنية: تمييز حقوق 3516/2024 (31/12/2024، هيئة خماسية) في غرامات تأخير بعقد مقاولة، قررت أن «الضرر ليس مفترضاً لا بد من إقامة الدليل عليه» مستعيدة حرفياً تعليل قرارات النقض التي رجعت عنها الهيئة العامة في 5875/2023؛ و3680/2026 (9/7/2026) في عقد إحياء حفل غنائي، ردت المطالبة بشرط جزائي قيمته 60,000 دينار وقالت إن «الاجتهاد القضائي قد استقر» على وجوب إثبات أركان المسؤولية من خطأ وضرر وعلاقة سببية، مستندة إلى 3516/2024.

ويُلاحظ في الحكم 3680/2026 أن المحكمة نفسها أقرّت، في الشق الآخر من الدعوى، استحقاق المدعي مبلغ 30,000 دينار بوصفه «قيمة العطل والضرر الذي تم الاتفاق عليها بين المتعاقدين في حال الفسخ» دون أن تطلب إثبات الضرر، ورأت أن الشرط الجزائي الثاني لم ينشأ أصلاً لأن العقد اعتُبر مفسوخاً حكماً قبل موعد الحفل. فالعبارة العامة عن «استقرار» اشتراط إثبات الضرر لم تكن وحدها سبب الحكم.

ج- مسألة متصلة: التعهد الانفرادي

في الحكم 3439/2023 (3/6/2024، هيئة ثلاثية) طالبت شركة موظفاً سابقاً بخمسين ألف دينار بموجب «سند التزامات وظيفية» وقّعه وحده. فقررت المحكمة أن الشرط الجزائي «لا يكون إلا بالاتفاق وفي العقود وبموجب إرادتين»، وأنه «لا يمكن تصور وجود الشرط الجزائي في التعهد الشخصي»، مستندة إلى المادة (251) من القانون المدني، فرُدّت المطالبة. وهذا قيد عملي مهم على صياغة تعهدات الموظفين وتعهدات عدم المنافسة.

جدول تلخيصي لأهم محطات الاجتهاد

القرارالتاريخالهيئةنوع العقدالاتجاه
2576/201523/6/2016هيئة عامةعقد عملالضرر مفترض
2320/201810/5/2018هيئة عامةتنفيذ عيني وتأخيرجواز الجمع بين التنفيذ العيني وشرط التأخير
4310/20175/6/2018هيئة عامةعقد عمل محدد المدةغير مفترض (رجوع عن أي اجتهاد سابق)
39/201925/8/2019هيئة عامةعقد عملغير مفترض
5966/20195/8/2020عاديةاتفاقية تسوية مدنيةغير مفترض
3280/2021، 6857/2021، 5694/20222021 – 2022عاديةعقد توريدغير مفترض
114/202114/12/2021هيئة عامة (بالأكثرية)اتفاقية تسوية مدنيةمفترض – قرينة قابلة لإثبات العكس
5875/202322/4/2024هيئة عامةعقد توريدتأكيد 114/2021؛ غرامة التأخير لا تستحق عند عدم التنفيذ
1654/202327/7/2023عاديةعقد مدنيمفترض
2932/202411/7/2024عادية (خماسية)اتفاقية تسليم مزرعةمفترض
3516/202431/12/2024عادية (خماسية)عقد مقاولةغير مفترض
6076/202428/11/2024عاديةإقرار مرتبط بعلاقة عملغير مفترض
4853/202513/10/2025عاديةعقد عملغير مفترض
3680/20269/7/2026عاديةعقد حفل فنيغير مفترض (عبارة عامة)
4957/20267/10/2026عاديةعقد تجاريمفترض، مع وجوب الخبرة إذا نازع المدين

المبحث الثالث: تحليل الخلاف وتقييمه

المطلب الأول: لماذا لم يحسم قرارا الهيئة العامة الخلاف؟

يبدو للوهلة الأولى أن قرارين للهيئة العامة كانا كافيين لتوحيد الاجتهاد. لكن قراءة الأحكام اللاحقة تكشف ثلاثة أسباب لاستمرار الانقسام:

السبب الأول: ازدواج خط الهيئة العامة

القرار 114/2021 رجع عن قرار نقض صادر عن هيئة عادية (5966/2019)، لكنه لم يُعلن الرجوع عن قراري الهيئة العامة 4310/2017 و39/2019 اللذين استند إليهما ذلك القرار. والقرار 5875/2023 فعل الشيء نفسه مع ثلاثة قرارات نقض عادية. فبقي أمام الهيئات العادية خطان صادران كلاهما عن الهيئة العامة: خط «غير مفترض» (4310/2017 و39/2019) وخط «مفترض» (114/2021 و5875/2023). وهذا ما يفسر أن الأحكام التي اشترطت إثبات الضرر بعد 2021 تحيل في الغالب، مباشرة أو بالواسطة، إلى تعليل 4310/2017.

السبب الثاني: خصوصية عقد العمل

إذا رُتبت الأحكام بحسب نوع العقد بدل تاريخها، ظهر نمط واضح: أغلب الأحكام الحديثة التي اشترطت إثبات الضرر صدرت في عقود عمل أو في التزامات مرتبطة بعلاقة العمل (4105/2022، 3488/2023، 6076/2024، 4853/2025)، بينما أخذت أحكام العقود المدنية والتجارية بالافتراض (1654/2023، 2932/2024، 4957/2026). ولهذا التمييز سند تشريعي حقيقي: فالمادة (26/ب) من قانون العمل نص خاص يجعل تقدير العطل والضرر «إلى المحكمة المختصة» ويضع له سقفاً لا يجوز تجاوزه، ولا يُعقل تقدير ضرر لم يُثبت أصلاً. وفي ذلك أيضاً حماية للعامل، الطرف الضعيف، من شروط جزائية مرتفعة يمليها صاحب العمل، وهو اتجاه ينسجم مع المادة (4/ب) من قانون العمل التي تعتبر باطلاً كل شرط يتنازل بموجبه العامل عن أي حق من الحقوق التي منحه إياها القانون.

غير أن هذا التوفيق لا يستوعب كل الأحكام؛ فالحكمان 3516/2024 (عقد مقاولة) و3680/2026 (عقد فني) عقدان مدنيان خالصان، وقد اشترطا إثبات الضرر بعبارات عامة مأخوذة من قرارات النقض التي رجعت عنها الهيئة العامة.

السبب الثالث: الطابع «الجانبي» لتأكيد القرار 5875/2023

وصفت الهيئة العامة في 5875/2023 مسألة الافتراض بأنها «ليست هي الفيصل في هذه الدعوى»، ثم بنت حكمها على أن شرط التأخير لا يطبق على عدم التنفيذ. وقد يرى من يتمسك بالاتجاه المقابل أن ما قررته بشأن الافتراض جاء تزيداً لا يحمل الحكم، فلا يُعد عدولاً بالمعنى الدقيق. ونحن لا نرى ذلك؛ لأن منطوق القرار نصّ صراحة على «الرجوع عن قرارات النقض السابقة ... لجهة قضائها بأن الضرر غير مفترض»، فالرجوع عن المبدأ ورد في المنطوق لا في التعليل وحده. لكن الصياغة فتحت الباب للتأويل.

المطلب الثاني: الإشكال الإجرائي في الأحكام المخالفة

تقضي المادة (9/أ/1) من قانون تشكيل المحاكم النظامية بأن تنعقد الهيئة العامة إذا «رأت إحدى هيئاتها الرجوع عن مبدأ مقرر في حكم سابق». وقد عُرضت المسألة على الهيئة العامة فعلاً في 114/2021 و5875/2023. فإذا قضت هيئة عادية بعد ذلك بأن الضرر غير مفترض في عقد مدني، دون أن تحيل الدعوى إلى الهيئة العامة ودون أن تبيّن وجه تمييز الواقعة عن المبدأ المقرر، فإنها تكون قد خرجت عن مبدأ قررته الهيئة العامة بالطريق الذي رسمه القانون للعدول عنه. صحيح أن القانون الأردني لا يعرف قاعدة السابقة القضائية الملزمة بالمعنى الدقيق، وأن الحكم الصادر يبقى نافذاً بين أطرافه، لكن هذا الخروج يضعف الحجة المستمدة من تلك الأحكام، ويصلح أساساً لطلب إحالة الطعن إلى الهيئة العامة في القضايا المماثلة.

المطلب الثالث: تقييم حجج الاتجاهين

أ- حجج اتجاه عدم الافتراض

  • الضرر ركن في المسؤولية العقدية كما في التقصيرية، والشرط الجزائي تابع للالتزام الأصلي ولا يُنشئ مسؤولية مستقلة.
  • المشرع الأردني لم ينقل حكم المادة (224) من القانون المصري، بل ربط التعويض الاتفاقي بالضرر الفعلي وجعل ذلك من النظام العام.
  • الفقه الإسلامي، وهو مصدر تفسيري بنص المادة (2)، لا يجيز الضمان إلا عن ضرر واقع.
  • افتراض الضرر قد يحوّل الشرط إلى عقوبة، وقد يستغله الطرف الأقوى.

ب- حجج اتجاه الافتراض

  • المادة (363) نفسها تقصر التقدير القضائي على حالة «إذا لم يكن الضمان مقدراً ... في العقد»، فإذا كان مقدراً كنا أمام نظام مختلف هو نظام المادة (364).
  • التعديل في المادة (364/2) يتم «بناءً على طلب أحد الطرفين»، فلا يُجريه القاضي من تلقاء نفسه، والقاعدة أن من يطلب يُثبت ما يطلبه.
  • الاتفاق على مقدار الضمان مقدماً تعبير عن إرادة مشتركة في افتراض الضرر، وإلغاء هذه الإرادة يفرغ الشرط من مضمونه ويجعله مجرد سقف للتعويض.
  • الافتراض هنا قرينة بسيطة لا قاطعة: يستطيع المدين هدمها بإثبات أن الدائن لم يلحقه أي ضرر، أو تخفيض المبلغ بإثبات المبالغة، فلا يتحول الشرط إلى عقوبة.
  • استقرار المعاملات والقدرة على التنبؤ بنتيجة النزاع، وهما غايتا الشرط الجزائي أصلاً.

المطلب الرابع: رأي الباحث

نرى أن الاتجاه الذي تبنته الهيئة العامة في 114/2021 هو الأرجح في العقود المدنية والتجارية، للأسباب الآتية:

  1. أن ترتيب المادتين (363) و(364) يدل على نظامين: تقدير قضائي عند غياب الاتفاق، وتقدير اتفاقي تملك المحكمة تعديله بطلب أحد الطرفين. ولو كان على الدائن أن يُثبت الضرر في الحالتين لما كان للمادة (364/1) أثر عملي يُذكر.
  2. أن ربط المادة (364/2) التعويض بالضرر يتحقق فعلاً في ظل الافتراض، إذ يبقى للمدين أن ينفي الضرر كلياً أو يثبت أنه أقل من المتفق عليه؛ فلا تعارض بين الافتراض وبين مبدأ أن الضمان لا يكون إلا عن ضرر. الخلاف في حقيقته خلاف حول عبء الإثبات، لا حول ضرورة الضرر.
  3. أن نقل عبء الإثبات إلى المدين هو الحل الأكثر اتساقاً مع إرادة الطرفين، ومع موقع المدين الذي أخلّ بالتزامه.

ونرى في المقابل أن لعقد العمل محدد المدة حكماً خاصاً تفرضه المادة (26/ب) من قانون العمل: فالضرر فيه غير مفترض، ويقع على صاحب العمل إثباته، والمبلغ المحكوم به لا يتجاوز سقف أجر نصف شهر عن كل شهر متبقٍ. وهذا التمييز يتيح التوفيق بين قرارات الهيئة العامة بدلاً من افتراض تناقضها: 4310/2017 و39/2019 في نطاق قانون العمل، و114/2021 و5875/2023 في نطاق القانون المدني. أما الالتزامات التي تنشأ بعد انتهاء علاقة العمل، كشرط عدم المنافسة أو عدم الإفشاء، فالمسألة فيها أدق، والأحكام الحديثة (3488/2023، 6076/2024) تميل إلى إلحاقها بعقد العمل.

ونرى أخيراً أن الوضع الحالي يحتاج إلى حسم صريح: إما بقرار من الهيئة العامة يحدد نطاق كل خط ويعلن الرجوع الصريح عما يخالفه، أو بتعديل تشريعي للمادة (364) يقنّن الافتراض البسيط وحالات التخفيض على نحو ما فعلت المادة (224) من القانون المصري.

المبحث الرابع: الآثار العملية

المطلب الأول: في التقاضي – إذا كنت دائناً (المدعي)

  • استند صراحة إلى 114/2021 هيئة عامة و5875/2023 هيئة عامة، وإلى الأحكام اللاحقة الموافقة (1654/2023، 2932/2024، 4957/2026)، وبيّن أن الأحكام المخالفة صدرت عن هيئات عادية أو في نطاق عقد العمل.
  • لا تكتفِ بالافتراض: اذكر في لائحة الدعوى وقائع الضرر وقدّم ما تيسّر من بينة عليه احتياطاً، لأن بعض الهيئات ما تزال تشترط الإثبات، ولأن المدين إذا نازع في الضرر فقد تلجأ المحكمة إلى الخبرة (4957/2026).
  • تحقق من الإعذار: وجّه إنذاراً عدلياً قبل الدعوى ما لم يُعفِ العقد منه صراحة أو تتوافر حالة من حالات المادة (362).
  • حدّد نوع الإخلال بدقة: إذا كان الشرط شرط تأخير والمدين لم ينفّذ أصلاً، فلا تطالب بغرامة التأخير وحدها، بل اطلب التعويض القضائي وفق المادة (363) مع إثبات الضرر، أو اطلب التنفيذ العيني مع غرامة التأخير (2320/2018 هيئة عامة).
  • احسب التعويض من تاريخ الإخلال لا من تاريخ الإنذار (114/2021).
  • في عقد العمل: أثبت الضرر فعلاً (بيانات مالية، كلفة الاستبدال، خسارة عملاء)، والتزم سقف المادة (26/ب).

المطلب الثاني: في التقاضي – إذا كنت مديناً (المدعى عليه)

  • نازع في وجود الضرر ومقداره صراحة في اللائحة الجوابية أمام محكمة الدرجة الأولى، واطلب الخبرة لتعديل المبلغ وفق المادة (364/2)؛ فهذا الدفع لا يُقبل لأول مرة أمام محكمة التمييز (114/2021).
  • قدّم بينة على انتفاء الضرر أو على أنه أقل بكثير من المبلغ المتفق عليه.
  • إن كان الشرط شرط تأخير والدعوى قائمة على عدم التنفيذ أو التنفيذ الجزئي، فادفع بعدم انطباقه (5875/2023 هيئة عامة).
  • إن كانت العلاقة علاقة عمل فتمسّك بالمادة (26/ب) وبقراري الهيئة العامة 4310/2017 و39/2019، وبسقف التعويض.
  • إن كان الشرط وارداً في تعهد وقّعه الموكل وحده، فادفع بأنه ليس شرطاً جزائياً (3439/2023).
  • تحقّق من الإعذار ومن تاريخ الإخلال، فالشرط لا يستحق قبل الإعذار ما لم يُعفَ منه في العقد.

المطلب الثالث: في صياغة العقود

  1. افصل بين شرطين: شرط جزائي عن التأخير (مبلغ عن كل يوم أو أسبوع)، وشرط مستقل عن عدم التنفيذ أو الفسخ بسبب الإخلال (مبلغ مقطوع). فشرط التأخير وحده لا يغطي حالة عدم التنفيذ.
  2. اربط المبلغ بتقدير معقول للضرر المتوقع، واذكر في العقد عناصر هذا التقدير (كلفة البديل، الربح الفائت، التزامات الطرف تجاه الغير). فهذا يقوي القرينة ويُضعف طلب التخفيض.
  3. انصّ على أن الطرفين اتفقا على أن المبلغ تقدير مسبق للضرر المفترض وقوعه، وعلى استحقاقه دون حاجة لإثبات الضرر. هذا النص لا يمنع المحكمة من التعديل لأن المادة (364/2) من النظام العام، لكنه يعزز الافتراض.
  4. انصّ على الإعفاء من الإعذار إن رغبت في ذلك، فالمادة (361) تجيز الاتفاق على خلافه.
  5. في عقود العمل: لا تتجاوز سقف المادة (26/ب) في الشرط المتعلق بترك العمل قبل انتهاء المدة، وضع شروط عدم المنافسة وعدم الإفشاء في عقد العمل نفسه أو في ملحق يوقعه الطرفان، لا في تعهد منفرد يوقعه العامل وحده.
  6. حدد تاريخ بدء احتساب الغرامة، وتاريخ انتهائها أو حدها الأعلى.

الخاتمة

أولاً: النتائج

  1. لم ينص المشرع الأردني صراحة على افتراض الضرر في الشرط الجزائي، خلافاً للمادة (224) من القانون المدني المصري، وترك المادة (364) لتفسير القضاء.
  2. مرّ اجتهاد محكمة التمييز بست مراحل: افتراض الضرر حتى 2018، ثم العدول في عقد العمل بقرارات للهيئة العامة (4310/2017 و39/2019)، ثم امتداد عدم الافتراض إلى العقود المدنية بأحكام هيئات عادية، ثم العدول المضاد في 114/2021 هيئة عامة، ثم تأكيده في 5875/2023 هيئة عامة، ثم انقسام مستمر حتى تشرين الأول 2026.
  3. الاجتهاد الذي قررته الهيئة العامة في العقود المدنية هو أن الضرر مفترض افتراضاً بسيطاً، وعبء نفيه أو إثبات المبالغة على المدين، وأن الدفع بانتفاء الضرر يجب إثارته أمام محكمة الموضوع.
  4. يستمر الانقسام لأن خط الهيئة العامة الخاص بعقد العمل لم يُعدَل عنه صراحة، ولأن بعض الهيئات العادية نقلت تعليله إلى العقود المدنية دون إحالة إلى الهيئة العامة.
  5. غرامة التأخير لا تستحق في حالة عدم التنفيذ أو التنفيذ الجزئي (5875/2023 هيئة عامة)، والشرط الوارد في تعهد انفرادي لا يُعدّ شرطاً جزائياً في رأي بعض الهيئات (3439/2023).

ثانياً: التوصيات

  1. لمحكمة التمييز: إحالة أول طعن مناسب إلى الهيئة العامة لإصدار قرار يحدد صراحة نطاق كل من الخطين، ويعلن الرجوع عن أي اجتهاد مخالف في العقود المدنية، ويبين حكم الالتزامات اللاحقة لعلاقة العمل.
  2. للمشرع: تعديل المادة (364) بإضافة نص صريح يقرر أن التعويض الاتفاقي لا يستحق إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه ضرر، ويحدد حالات التخفيض (المبالغة، التنفيذ الجزئي، خطأ الدائن).
  3. للمحامين: صياغة لوائح الدعوى واللوائح الجوابية على أساس الاحتمالين معاً، والتمييز بدقة بين شرط التأخير وشرط عدم التنفيذ، وبين علاقة العمل والعلاقة المدنية.
  4. للشركات والمتعاقدين: مراجعة نماذج العقود القائمة في ضوء ما سبق، ولا سيما عقود المقاولة والتوريد وعقود العمل وتعهدات الموظفين.

المراجع

أولاً: التشريعات

  • القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976، المواد (2، 251، 256، 266، 360 – 364).
  • قانون العمل رقم (8) لسنة 1996 وتعديلاته، المادتان (4) و(26).
  • قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم (17) لسنة 2001 وتعديلاته، المادة (9).
  • قانون أصول المحاكمات المدنية رقم (24) لسنة 1988 وتعديلاته، المادة (202).
  • القانون المدني المصري رقم (131) لسنة 1948، المواد (223 – 225) – للمقارنة.

ثانياً: أحكام محكمة التمييز الأردنية (بصفتها الحقوقية)

  • الهيئة العامة: 3326/2000 (مشار إليه)، 2576/2015، 32/2017 (مشار إليه)، 4310/2017، 2320/2018، 39/2019، 388/2020، 114/2021 (مع رأي المخالفة)، 5875/2023.
  • الهيئات العادية: 1500/2009، 4448/2014 (مشار إليه)، 3750/2016، 4308/2017، 1583/2018، 2544/2018، 2895/2018، 8476/2018، 5966/2019، 3280/2021، 6857/2021، 4105/2022، 5694/2022، 1654/2023، 3439/2023، 3488/2023، 2932/2024، 3516/2024، 6076/2024، 4853/2025، 3680/2026، 4957/2026.
  • مصدر الأحكام: قاعدة بيانات «قرارك»، والمكتبة القانونية لمكتب حجوج للمحاماة والتحكيم (أحكام محكمة التمييز ومبادئ المكتب الفني للمجلس القضائي).

ثالثاً: الفقه

  • د. فؤاد الدرادكة، الشرط الجزائي (التعويض الاتفاقي) في القانون المدني الأردني – دراسة مقارنة (مشار إليه في تمييز حقوق 5966/2019 و114/2021).
  • د. عبد العزيز المرسي، نظرية انتقاص التصرف القانوني في القانون المدني المصري – دراسة تحليلية وتأصيلية مقارنة، 2006 (مشار إليه في تمييز حقوق 114/2021).

هذا البحث دراسة قانونية عامة أُعدّت لأغراض المعرفة والتوعية، ولا يُعدّ استشارة قانونية في حالة بعينها. تتوقف نتيجة كل نزاع على وقائعه ومستنداته وتكوين الهيئة الناظرة فيه. الأحكام المذكورة مرصودة حتى 7/10/2026.

هل يتعلق الموضوع بحالتك؟

تتوقف المعالجة القانونية على وقائعك ومستنداتك ومواعيدك. تواصل مع المكتب لمراجعة حالتك.

الخدمة القانونية المرتبطة · اطلب استشارة

المحتوى معلومات عامة ولا يغني عن استشارة تتناول وقائع الحالة والتشريعات السارية عليها.

← جميع الأبحاث والدراسات

ابدأ بتوضيح موضوعك

تواصل لترتيب استشارة

اذكر طبيعة الموضوع بصورة عامة، وأي جلسة أو موعد إجرائي قريب.

واتساب

البحث في الموقع

ابحث باسم التشريع أو بعبارة من النص.